العالم الآخر في مصر الفرعونية

العالم الآخر في مصر الفرعونية
ضمن المعتقدات الجنازية المصرية القديمة الفائقة التباين والتغاير، يمكننا، مع ذلك، تبین تلك العقیدة الأكثر انتشارا وذيوعا والتى، على ما يعتقد، قد تكونت بداية من "الدولة الوسطى " ويضاف إلیھا، بطبیعة الحال، تلك المذاھب التألیفیة المتعلقة بالمفاھیم الشمسیة والمضمون الأوزيرى.

وفى ھذا الصدد، اعتقد المصريون أن الروح تبقى فى قید الحیاة بعد الموت . ولكن، علینا أن نلاحظ أن "الآخ" ترتقى نحو السماء العلیا. وفى ذات الحین، تكون "البا" ھى المستوعبة لوعى الحیاة الفردية. إذن، علینا الرجوع إلى "البا" بصفة خاصة، عند تناولنا لمصیر الإنسان فى العالم الآخر.

وفى ھذا المجال، يكون الجسد بمثابة حاوية الروح ووعاءھا. وبالتالى، تستوجب الضرورة الحفاظ علیه و"صیانته " – إذا سمح التعبیر – وبذلك يتحتم تحنیطه . وبالنسبة لھیئة الجسد، والوجه خاصة الذى يعد بمثابة السمة الممیزة لكل كائن، يتم تكراره بواسطة بعض التماثیل الجنازية. وأخیرا، فیما يتعلق بآخر خصائص الفردية الإنسانیة، أى الاسم، يتم نقشه فوق جدران المقبرة: حتى يتداول، ويتكرر دائما وأبدا فى ذاكرة البشر على مر العصور والأجیال.

بعد تحنیط جثمان المتوفى، تنطلق الروح محلقة نحو "الغرب " (الأمنتى )؛ وھناك، وبعد سلسلة من الاختبارات التى قد تتخطاھا وتتغلب علیھا، بفضل بعض التمائم والطلاسم والصیغ السحرية، تمثل أمام محكمة أوزيريس . وحالما تنتھى محاكمتھا، وتثبت براءتھا، تستھل الروح حیاتھا فى نطاق العالم الآخر: فخلال النھار، تتوجه نحو مقبرتھا الخاصة وتستقر بھا. وھناك، تعمل القرابین المقدمة على إمدادھا بالغذاء؛ وفى نفس الحین، تجد حولھا الأدوات المعتادة التى كانت تستعین بھا فى حیاتھا الدنیوية، وقد رصت فى جوانب مقبرتھا . وبالإضافة لذلك، فإن المشاھد المنقوشة أو المرسومة فوق الجدران، تجعلھا تعیش ثانیا، كل اللحظات والأوقات السعیدة التى عاشتھا من قبل فى الحیاة الدنیا.

ولكن، على ما يعتقد، أن الروح، فى حالتھا ھذه، كانت تضیق بالظلام الدامس، ولا تحبه أبدا. ولذلك، فعند ھبوط الشمس ناحیة "الغرب "، تسارع إلى ارتقاء المركب الشمسى، لكى تجوب برفقة ھذا الكوكب أنحاء العالم السفلى: الذى يتنقل فى أجوائه خلال الإثنى عشر ساعة اللیلیة. وھناك بعض الصیغ السحرية التى تسمح للروح بإيقاف المركب الشمسى لكى تصعد إلیھا أو تنزل منھا . وفى أجواء جنات أوزيريس، وبجنات بساتین "الیارو "، كانت تنعم بتمضیة ساعات اللیل بالعالم السفلى.وعندما يبزغ نور النھار فوق الأرض، تسارع الروح إلى الاستقرار بمقبرتھا.

ولكن، حیاة الروح النھارية، لم تكن تمضى كلیة بداخل مقبرتھا فقط . فبالرغم من المزايا التى يحظى بھا المتوفون المصريون بالعالم الآخر، فإنھم كانوا يتوقون دائما، بعد موتھم، إلى رؤية أسرھم وأصدقاءھم فى العالم الدنیوى. فھا ھى بعض النصوص القديمة تھیب بالآلھة أن يسمحوا للمتوفى بمقابلة أھله، وقرناءه، وموظفیه وخدمه، وزوجته الحبیبة. وتقول بعض الكتابات، موجھة كلامھا ھذا للروح: "علیك بالإسراع فى عبور أبواب العالم السفلى؛ ولتتوجھى لزيارة مسكنك فى الحیاة الدنیا، حیث تنعمین بسماع الغناء والموسیقى". ويعتبر ھذا الخروج أثناء النھار على قدر فائق الأھمیة بالنسبة للمتوفى. فھا ھو الفصل السابع والعشرون من "كتاب الموتى" يذكر بعض الصیغ من أجل دخول عالم "الأمنتى البديع"، والخروج منه أيضا. ويضیف قائلا: "عند إشراق النھار، تستطیع الروح أن تتجلى فى كافة الھیئات والأشكال التى تروق لھا".

وربما أن ھیرودوت قد جانبه الصواب عندما ذكر فى كتاباته أن المصريین كانوا يدينون بفكرة تناسخ الأرواح. وربما أن ھذا العالم قد اختلط علیه الأمر أمام ھذه الحقیقة : تستطیع الروح أن "تبدو" فى ھیئات متباينة ومتغايرة، لكى تتجلى بین البشر الأحیاء.