قائمة الروابط
محافل مميزه
الارشيف
لمتابعة جديد الموقع
التعزيم ضد الكوارث
التعزيم ضد الكوارث
فى نطاق مجموعة الآلھة ، تبدو الآلھات الإناث واضحة التناقض والتعارض فھن يمثلن المبدأ الأنثوى فى رب الأرباب الشمسى و يتماثلن بعین رع ، أو " بالحیة الحامیة " القابعة فوق جباه الآلھة أو الملوك وبالتالى ، فمن خلال قواھا الكامنة تضفى الدفئ والانتعاش فى حالة السیطرة والھیمنة علیھا ولكنھا ، تحرق وتدمر ، اذا اجتاحتھا ثورة عارمة لا يستطیع أحد كبحھا وضمن ھؤلاء الربات جمیعا ، تجدر الإشارة إلى أكثرھن ضراوة وشراسه وھى فى ھیئة لبؤة ثائرة : "سخمت" أو " القوية الشكیمة" وحقیقة أنھا تھلك أعداء النظام وتدمرھم ؛ ولكنھا ، فى بعض الأحیان ، تسدد ضرباتھا دون توخى الحرص فى اصابة الھدف المطلوب ، وكأنھا عمیاء لا ترى شیئاً إنھا "شاربة الدماء"، "وربة المذابح وفقا لما تبغیة" بل ھى " التى تحیل نظراتھا كل شئ إلى رماد " ولا شك أن ھذه الأوصاف، ضمن العديد غیرھا ، تعبر عن مدى ضراوتھا وشراستھا ، وتبین عن طبیعتھا عموما، فھى من أجل تحقیق أھدافھا، تستطیع أن تختار ما سوف تستعین به من أسلحه أو وسائل : تنفث السھام السامة القاتلة ؛ أو تدمر كل شئ بواسطة نیرا نھا ، أو تقطع ضحاياھا إربا إربا، أو حتى تبعث تابعینھا المردة لنشر الدمار والھلاك
وتبلغ ثورة "سخمت" أقصى ذروتھا خلال فترات الإنتقال بوجه خاص ، أى فى فترات تجدد التوازنات الكونیة فخلال أيام النسئ الخمسة التى تسبق وصول فیضان النیل، عندما تكون السنة المدنیة متطابقة مع السنة الطبیعیة ، تقوم ھذه الآلھه بنشر أبخرتھا الفاسدة النتنه فى أنحاء مصر أى فى تلك الفترة التى يعانى منھا ھذا البلد من الضعف والإضمحلال بسبب الجفاف والرياح الساخنة عموماً فى مثل ھذه الآونة ، حیث يطرأ بعض التغیر فى التقويم ، ينتظر أيضاً المزيد من الأخطار ؛ فإن ھذه الأيام يحدث خلالھا مرور بعض التسلسل الزمنى وقدوم جزء آخر كما أن تغیر الأشھر ، وظھور درجات جديدة بدائرة البروج عند شرق السماء ، تمثل جمیعھا مخاطر وكوارث رھیبة
وھكذا ، فسرعان ما ينطلق القتله الإثنى عشر التابعون "لسخمت " ، وھى مردة بشعة الشكل يرتبط كل منھا بشھر من أشھر السنه ، وكذلك " الشیاطین – السھام " السته والثلاثین التى تمثل درجات دائرة البروج منذ الألفیة الأولى للعالم ، لتجتاح القلوب والأفئدة وفوق دعامات قاعة الأساطین الأولى بمعبد إدفو ، تبدو " الشديدات البأس" المتمثلات فى ھیئة "حتحور" متطابقات بنفس عدد أيام العام كاملة ، لكثرتھن الفائقة . لقد تجمعن فى ھیئة إثنى عشر لوحة ؛ كل منھا تمثل أحد أشھر السنة ويشار إلى كل منھن بواسطه اسمین نوعیین فھا ھنا إذن لوحتان ضخمتان يتبین من خلالھما أن "سخمت" تحتل التقويم كلیه ومن ھذا المنطلق ، ھا ھو ج يويوت ( 1980 ، ص 51 وص 64 ) يفسر وجود ھذا العدد الرھیب من تماثیل اللبؤات الجرانیتیه التى أقامھا أمنحتب الثالث وكأنھا تسلسل مزدوج من التعبد ، أو صورة متحجرة لتوالى الأيام وتتابعھا ولا تمثل التماثیل المائة وخمسین المتجمعة بمعبد "موت" بالكرنك سوى "عینة"بسیطة ، أما باقیھا !! ، فقد تفرقت مبكرا فى عدة مواقع من الوادى ؛ ثم سرعان ما تسللت إلى خارج حدود مصر وعلى ما يبدو أن الدول الغربیة إبان القرون الوسطى، قد مرت بمثل ھذا الھلع والخوف المرتبط بتغیر التقويم الزمنى ، وھى تنتظر قدوم الألفیة الجديدة
حقیقة أن معظم كوارث مصر ونكباتھا ترجع فى المقام الأول إلى تأثیر غضب وثورة "سخمت" القوية العنیفة ومع ذلك ، ففى داخل كل إلھة من الآلھات الإناث يكمن عنف وضراوة يمكن أن تنطلق فى أى لحظة من اللحظات وبسبب ما تتسم به العقیدة المصرية من سمات التألیفیة والتوفیقیة ، نجد أن رفیقات رب الأرباب ھؤلاء يتبدلن فى ھیئة بعضھن بعضا تبدلاً كاملاً ، سواء ثائرات عنیفات أو رقیقات حانیات " عندما تثور ، فھى (=حتحور ) سخمت ، وعندما يغمرھا الفرح والسرور ، فھى "باستت" وعندما تھدأ الإلھة اللبؤة تبدو فى رقة القطة ونعومتھا من أجل إسباغ الحماية والرعاية؛ ولكنھا ، فى نفس الوقت تحتفظ بقواھا الوحشیة السنورية لمجابھة من يتحداھا وغالبا ما يبتھل المصريون إلى "سخمت الأمس " ، وباستت الیوم " ولكن مثل ھذا الإبتھال ينال حتما من قوة بأس وسطوة اللبؤة ومع ذلك ، فربما أنه يعبر عن الفكر المص رى الذى يعزى القوى الشؤم المدمرة غالبا إلى الماضى السحیق
تمثال للإلھة اللبؤة "سخمت" بجوار البحیرة المقدسة بساحة معبد "موت" بالكرنك من الأسرة الثامنة عشرة – حكم أمنحتب الثالث ( 1400 ق م) من الجرانیت الأسود لقد قامت الكثیر من الأساطیر التى أثريت إلى أبعد مدى على مر العصور، بتصوير إحدى الآلھات الخطرة ذات الھوية المتباينة الغیر محددة؛ وإستطاعت القوى الموالیة للنظام الكونى فى نھاية الأمر ، بدھائھا أو قوتھا ، أن تكبح جماح شراستھا وعنفھا فبداخل مقابر الرعامسة ، أومأ "كتاب بقرة السماء " إلى واقعة "دمار البشرية" التى ثارت ضد رع وسرعان ما كلف ھذا الأخیر عینه "حتحور – سخمت" بتنفیذ عقابھا ولكن عندما تبین ھذا الإله مدى فداحة المجزرة التى ستقوم بھا ھذه الإلھة الكاسرة ، فكر فى إسكارھا وجعلھا تغط فى النوم بعد ذلك ومع ذلك ، فقد أصابه الألم والإحباط ، وانسحب من العالم الدنیوى ، وتقوقع متواريا فوق ظھر البقرة السماوية ومن منطلق ھذه الأسطورة ، يلاحظ أن قرابین النبیذ والجعة تعتبر من العناصر الأساسیة لشعائر "سخمت" أما عن " أسطورة الإلھة الغائبة " ، وقد نقحت فى فترة أكثر تأخراً فھى تلقى الضوء بصفة خاصة على طبیعتھا الثنائیة القطب انھا من ناحیة، لبوءة كاسرة رھیبة تھیم بشراستھا فى أجواء الصحارى الجنوبیة ولكنھا، من ناحیة أخرى ، إبنة "الشمس " ، سرعان ما أعیدت إلى مصر ، بعد تھدئة عنفوان ثورتھا وھناك استقبلت استقبالاً عظیما، وتم وضعھا فوق جبھة أبیھا ، لتصبح حامیته وراعیته الدؤوب وإستتبع ذلك تجلیھا فى ھیئة الإلھة "ماعت" .
وفى سیاق بحثنا ھذا ، تحتل الإلھة الخطرة مركزاً جوھرياً وأساسیاً فى إطار الإيديلوجیة الملكیة أنھا كیان إيجابى وھى تعبر كبداية ، عن إحدى مظاھر الطبیعة الملكیة : "إنھا باستت" ، راعیة القطرين ، والذى يعبدھا ويقدسھا سوف تبسط حمايتھا علیه بقوة ذراعھا ، ولكنھا أيضا "سخمت" التى تجابه كل معتد على النظام ومن تغضب علیه "سوف يصبح من المعدمین " بل ھى تجسد أيضا مضمون الإخلاص والوفاء للقائم على العرش ، كضرورة حیوية قصوى وابنثاقا من نفس ھذا الدور ، نج د أن "سخمت " ، التى تستدعى كثیرا من خلال مناظر التتويج الملكى ، تتماثل بالآلھات الراعیات للنظام الملكى ، بالرغم من غرابة ھباتھا للفرعون : ھا أنا أھبك نیرانى لمجابھة أعداءك" فھذا ما وعدت به رمسیس الثانى ( 1290 - 1224 )، فى مقابل تكريسه أوانى المیاه من أجلھا أما من خلال تجلیاتھا السلبیة ، فإن سخمت لا تتوانى عن تدمیر المؤسسة الفرعونیة نفسھا وبذا ، فعند أول أيام العام الجديد ، بل وعند تغیر الفصول أيضا ، يجب أن يؤدى الملك " شعیرة تبوء المیراث " ، وھى "تعمل سحريا، على تثبیت وتقوية أسس شرعیته " فوق العرش (ج جويون ، 1972 ، ص 51 ) ومن خلال الإبتھالات، بھذه المناسبة لسخمت ، يلجأ الملك إلى طلب تدخل إبن ھذه الربه لأنه الوحید القادر على تلیین عريكة أمه الضارية ھذه :"أيا "حورس" ، "ياحورس " إبن "سخمت" ، فلتضفى على جسد الفرعون ، متع بالحیاة ، والعافیة ، والقوة ، فیض واكتمال العیش" وذلك لأنھا " الأم التى قد تأكل أبناءھا " بل ھى الأم التى قد "تطعن بسكینھا من انبثق من داخلھا"
وھناك إبتھالات أخرى لمختلف تجلیات "سخمت " من أجل حماية من يرتلھا من "أوبئة وأضرار العام" وتجدر الإشارة إلى أن ھذه الدعوات لیست قاصرة بصفة خاصة على حماية الملك فلقد دونت فوق إحدى البرديات السحرية بعصر الرعامسة، من أجل إستعمال أى فرد إذن ، فھاھو الفرعون ، عند مواجھة القوى المعادية، ينخرط تماماً فى سلك عامة البشر ومع ذلك ، فبخلاف رعاياه ، نجد أن الفرعون لا يقف موقف المدافع فقط؛ فباعتباره مؤدى لشعائر "سخمت" ، يقوم ، من خلال بعض القرابین الخاصة المرتبطة بترتیل شئ من الابتھالات بحث وإنعاش القوى الإيجابیة الكامنة فى ھذه الربة انه يفعل ذلك ، خاصة ، من أجل توزيع فوائدھا ونتائجھا الطیبة على كافة أنحاء مصر وھكذا نجد أن تانوت آمو ن ( 1664 ) ، آخر الملوك النوبیین ، عند حضوره إلى منف، موطن "سخمت " ، قام ، بكل تبجیل وخضوع بأداء الشعیرة الخاصة باستجداء وطلب رضاء ھذه الإلھة اللبؤه : لقد وصل جلالته إلى منف ودخل معبد بتاح "القائم – بجنوب – جداره" ، وقدم قربانا عظیما من أجله ، بتاح سوكر ، ثم عمل على تھدئة "سخمت" ، بتنفیذ كل رغباتھا " وربما قد لاحظنا بعض الإختلاف فى التعامل مع كل من ھذيه الإلھین والسبب : أنه فى نطاق كل زوجین إلھین ، تتسم الآلھة الإناث خاصة بالطبیعة الضارية الرھیبة ، باعتبارھا فى ھذه الحال ممثلة لكوارث العالم وم صائبه وخلاف ذلك ، فمن الممكن التضرع الیھن فى كافة المناسبات وإبان عصر البطالمة ، كانت مكتبة معبد إدفو تتضمن كتاب تھدئة "سخمت" وفى داخل نفس ھذا المكان ، وضمن ما كان يتم به من مشاھد ووقائع أمام مجموعة ضخمة مكونة من ثلاثمائة وخمسة وستین تمثال لحتحور ، اللاتى أشرنا إلیھن آنفا ؛ كان الفرعون يقیم القداس أمام المجموعات الحتحورية الإثنى عشر ، ويوجه تراتیله ثمانى مرات بشكل متواز لفئات مكونة من ثمانیة أو تسعة آلھة وبخلاف حركات التعبد التقلیدية وعملیات التبخیر المعتادة ، كانت تقدم بعض أضاحى الأوز والخنازير ، و تراق قرابین المشروبات المنعشة ، وبعض الأنغام الموسیقیة ويعمل كل ذلك على إحیاء ذكرى المرحلة الدموية التى عاشتھا سخمت ؛ ثم نھايتھا السعیدة وينتھى ھذا الأداء بإھداء كل ھذه الآلھات تمثالا صغیرا ل"ماعت" إيماءاً إلى النصر الذى أحرزه النظام الكونى على قوى الخواء " فى المرة الأولى "
ــــــــــــــــــــــ
الفرعون أسرار السلطة
تألیف: مارى آنج بونیم
آنى فورجو
ترجمة: فاطمة عبد الله محمود
مراجعة وتقديم: د.محمود ماھر طه
تألیف: مارى آنج بونیم
آنى فورجو
ترجمة: فاطمة عبد الله محمود
مراجعة وتقديم: د.محمود ماھر طه