قائمة الروابط
محافل مميزه
الارشيف
لمتابعة جديد الموقع
استعادة الفجر الفائت بذكر الربة ماعت
![]() |
| استعادة الفجر الفائت بذكر الربة ماعت |
استعادة الفجر الفائت بذكر الربة ماعت :-
رأيتُ فى المتحف وما رأيتُ، ونظرتُ ففهمتُ أشياءَ، وغابت عنى من خلفها أكثرُ الأشياء. ولما استكملتُ دورتى واقتربت مجدَّداً من الباب، وجدتُ الكاهنة التى كانت مرشدتى، تقف عند ناووسٍ أسود كبير كان ينام فيه فرعونٌ صالح ينتظر لحظة الخروج إلى النهار. بأدبٍ واستعطافٍ سألتها عن الفرق بين الناووس والتابوت، فردَّت بلا اهتمامٍ بأنهما كلمتانِ تترادفان، وكلتاهما ليست من كلا
رأيتُ فى المتحف وما رأيتُ، ونظرتُ ففهمتُ أشياءَ، وغابت عنى من خلفها أكثرُ الأشياء. ولما استكملتُ دورتى واقتربت مجدَّداً من الباب، وجدتُ الكاهنة التى كانت مرشدتى، تقف عند ناووسٍ أسود كبير كان ينام فيه فرعونٌ صالح ينتظر لحظة الخروج إلى النهار. بأدبٍ واستعطافٍ سألتها عن الفرق بين الناووس والتابوت، فردَّت بلا اهتمامٍ بأنهما كلمتانِ تترادفان، وكلتاهما ليست من كلا
منا وإنما من كلام السريان.
فتشجعتُ وسألتها عن صورة المرأة المنقوشة فوق رأس الفرعون، وعن الكلام
المكتوب بحروف الطير، فنظرت نحوى بحنوٍّ وإشفاق يدل على الصفْح، ثم قالت
بلسان المنْح: هذه واحدةٌ من صور «ماعت» حسبما صاغها الأوائلُ الذين
عبَّدوا الطريق، فآونةً يرسمونها امرأةً فتية تمسك بمفتاح الحياة المسمى
اللسان القديم «عنخ» وآونةً تراها امرأة مجنحة تبسط نظام السماء على الأرض،
وآونةً هى امرأةٌ رشيقة على رأسها الريشة التى تزين أعمال المتوفى يوم
القيامة والبعث. والمكتوب على التابوت، نقشه النائم فى الناووس ليشهد على
نفسه بالعبارة «عاش فى ماعت».
قلتُ: فهى العدل؟ فقالت: بل العدالة. قلت: التى يرفع اسمها اليوم سكانُ المجلس؟ فقالت: بل هى أعلى من وعيهم القاصر، الذى استعجل بعدما ادَّعى، ودعا الجهَّال للجمع بين أمرين لا يجتمعان، لأنهم يعلمون صعوبة التفرقة والإدراك على أهل الالتباس، الذين هم معظم الناس. ومن هذا الباب، ادَّعى غيرهم ودعوا الظلام النور. قلتُ: فما الأمران اللذان لا يجتمعان؟ فقالت: الحرية والعدالة، فالعدالة بالمعنى الأصلى لا اسم لها غير «ماعت» لكن الأفهام مالت، وفات على الفائت الفاقد أن هذا الرمز الأنثوى المقدَّس يشير إلى النظام الأعلى المنزَّه عن الوضاعة. وماعت هى المعنى الكامن خلف انتظام الموجودات، وحركة الشمس الجوَّالة فى السماء، وسرّ انتظام الحياة بالحب الأزلى وبالولادة والرضاعة. وللنظام اتساقٌ ليس للحرية إليه سبيل. فالحرةُ الوحيدة هى أجنحة «ماعت» التى تدعو الإنسان لأن يستظلَّ تحتها بكل الأدب، ومن غير كذب.
قلتُ: فأين ذهبتْ «ماعت» بعدما هجرت الديار؟ فقالت: هى لا تذهب أبداً ولا تهجر السماء، لكنها قد ترتفع عن الأرض حين تختلط الظلمات بالنور ويكثر فى الناس هرجُ الدهور، فتقنع «ماعت» بالنظر إلى البشر من عليائها، عساهم يوماً أن يلمحوها فيجعلوا لها صورةً تناسب فكرهم وزمانهم، شريطة أن تكون مؤنثة، ويتعلَّموا الدرس الموهوب لهم من حكمة الماضى، فيعرفوا أن غاية المرء من حياته، أن تصير فى نهاية الأمر كالمكتوب هنا فى عبارة: عاش فى ماعت.
-------------------------- -------------------------- ----------------------
مقتطف من مقال د. يوسف زيدان ...... الحكمة المؤنثه (4-7) ..... استعادة الفجر الفائت بذكر الربة ماعت
قلتُ: فهى العدل؟ فقالت: بل العدالة. قلت: التى يرفع اسمها اليوم سكانُ المجلس؟ فقالت: بل هى أعلى من وعيهم القاصر، الذى استعجل بعدما ادَّعى، ودعا الجهَّال للجمع بين أمرين لا يجتمعان، لأنهم يعلمون صعوبة التفرقة والإدراك على أهل الالتباس، الذين هم معظم الناس. ومن هذا الباب، ادَّعى غيرهم ودعوا الظلام النور. قلتُ: فما الأمران اللذان لا يجتمعان؟ فقالت: الحرية والعدالة، فالعدالة بالمعنى الأصلى لا اسم لها غير «ماعت» لكن الأفهام مالت، وفات على الفائت الفاقد أن هذا الرمز الأنثوى المقدَّس يشير إلى النظام الأعلى المنزَّه عن الوضاعة. وماعت هى المعنى الكامن خلف انتظام الموجودات، وحركة الشمس الجوَّالة فى السماء، وسرّ انتظام الحياة بالحب الأزلى وبالولادة والرضاعة. وللنظام اتساقٌ ليس للحرية إليه سبيل. فالحرةُ الوحيدة هى أجنحة «ماعت» التى تدعو الإنسان لأن يستظلَّ تحتها بكل الأدب، ومن غير كذب.
قلتُ: فأين ذهبتْ «ماعت» بعدما هجرت الديار؟ فقالت: هى لا تذهب أبداً ولا تهجر السماء، لكنها قد ترتفع عن الأرض حين تختلط الظلمات بالنور ويكثر فى الناس هرجُ الدهور، فتقنع «ماعت» بالنظر إلى البشر من عليائها، عساهم يوماً أن يلمحوها فيجعلوا لها صورةً تناسب فكرهم وزمانهم، شريطة أن تكون مؤنثة، ويتعلَّموا الدرس الموهوب لهم من حكمة الماضى، فيعرفوا أن غاية المرء من حياته، أن تصير فى نهاية الأمر كالمكتوب هنا فى عبارة: عاش فى ماعت.
--------------------------
مقتطف من مقال د. يوسف زيدان ...... الحكمة المؤنثه (4-7) ..... استعادة الفجر الفائت بذكر الربة ماعت
