قائمة الروابط
محافل مميزه
الارشيف
لمتابعة جديد الموقع
الإسكندرية مملكة الحضارات
حقیقة، لا يستطیع المرء سوى أن يفتن ويسحر بالحقبة الھیلینیة !… ترى، ھل يرجع ذلك لأنھا تعد كلحظة تلاقى ما بین العالم الإغريقى وبین الحضارات الشرقیة العريقة القدم، أم ربما أن سبب ذلك ھو الإنطباع الذى تركه وراءه الإسكندر الأكبر على مدى التاريخ؟... عموماً لا شك أن كل ذلك قد ارتكز أساساً على ھذا الانصھار الذى تولد ثم تطور خلال القرون الثلاثة التى أعقبت وفاة ھذا البطل المقدونى، واعتمد خاصة على أسس حضارات بلاد ما بین النھرين، وفارس، وآشور، وفینیقیا، ومصر، ففى تلك الآونة، كان العالم يمر بحالة تحول وتطور، بل وانفتاح أيضا . كما أن الاتصالات، التى اتسمت حقیقة بالسمة العسكرية، قد أينعت الكثیر من الأفكار التى تط ابقت وتبودلت لمجابھة الصدام الإغريقى – الشرقى. ولكن الیوم، ھل نستطیع أن نتحدث عن تثاقف فعلى للھیلینیة بواسطة العالم "الأعجمى" إذا صح التعبیر؟…. أم يمكننا أن نلمح فحسب نوعاً من التشبع الشرقى فى الفكر الھیلینى؟…. قطعاً الأمر ھنا يتضمن صعوبة واضحة. إذن، فالضر ورة تحتم أن نولى اعتبارنا لعوامل التبادل فى نطاق مختلف المجالات الثقافیة.
فبالنسبة لمصر، نجد أن تأثیر الفكر الھیلینى على فنونھا، وعقیدتھا، وحیاتھا الإدارية، ومعیشتھا الیومیة، قد ساعد، فى بداية الأمر على خلق مدينة الإسكندرية، ثم جعل منھا العاصمة الكبرى الدولیة فى العالم القديم بأثره. ولا ريب أن تقبل ھذه التألیفیة والتوفیقیة لم يتم إلا من خلال حكم الإسكندر، وسرعان ما تلاشى من بعده . ولا شك أن القرون السابقة قد أعدت، على طول المدى لتطوير وتعمیق ھذا التمھید الذى انبثق خاصة من الصدام العنیف للحروب التى تفجرت ما بین الإغريق والفرس. وأوضح دلیل على ذلك بعض الطقوس التى كانت تؤدى أساساً للآلھة الشرقیة، بالإضافة إلى مظاھر الفن الھیلینى، قبل ازدھار وتألق الشخصیة الذاتیة .
ومھما يكن الأمر، فإن الإسكندر ھو الذى قام بدفع المحرك الھادف لمحو أى انقسام أو انغلاق، وقد تجلى ذلك بكل وضوح طوال الحقبة الھیلینیة. ولكن إذا كان الأمر يحتم أن تحدد ھذه الفترة تحديداً زمنیاً فھى تقع عامة فیما بین الغزو المقدونى وبین سیطرة روما على مصر البطلمیة، حیث استولت أسرة البطالمة على زمام حكمھا. وربما قد تبدو وجھة النظر ھذه تعسفیة بعض الشئ، ولكنھا بالرغم من ذلك تتماشى كثیراً مع الموضوع الذى يرتكز علیه معرضنا ھذا . ولا نتناسى مطلقاً بعض النتائج والإستتباعات
الجغرافیة، والسیاسیة والثقافیة التى تراءت فى الحقبة الرومانیة وما بعدھا.
الجغرافیة، والسیاسیة والثقافیة التى تراءت فى الحقبة الرومانیة وما بعدھا.
إن سحر وجاذبیة شخصیة الإسكندر لا يجب أن يحجب فردانیته التى تؤججھا إرادة بطولیة جسورة تستمد إلھامھا من القوى الإلھیة. ومع ذلك، فنحن لا نعلم إلى أى مدى كان ھذا البطل المقدونى يعى مقدار التغیر الجذرى، الذى كان يقوم به من خلال غزواته الحربیة . حقیقة أنه كان تلمیذاً لأرسطو، ولكنه مع ذلك، لم يستطع أن يدرك تطور الفلسفة التقلیدية . لقد وجد نفسه فى مجابھة مضمون جديد عن وضع الإنسان فى قلب مجتمع أكثر اتساعاً وأرحب مدى. فالعالم السیاسى والفلسفى العتیق قد تفجر لكى يخلق من جديد. وطرأ تغیر ما على وضع الإنسان. وتركز الاھتمام فقط على فكرة البحث عن السعادة الشخصیة، بالإضافة إلى تلك التى تبرر النفوذ الملكى وتعضده. ووجد كل إنسان مكانه فى نطاق "العالم الكونى ". إن ھذا المفھوم الخاص بالمواطنیة العالمیة "قد اقترحه زينون، ثم قدمه، بعد ذلك الفلاسفة المتھكمون . ومن بعدھم، إستعاده الرواقیون. لقد كان يتطابق بمتطلبات العصر وضروراته. ولا ريب أن ھذين المفھومین، وقد واكبا إنتشار مدى الھیلینیة فى الشرق، قد عملا على جعل الإنسان كعنصر من عناصر العالم، الذى تسیطر علیه ملكیة استمدت شرعیتھا من طبیعتھا الإلھیة. ومن خلال ھذا المضمون، تركزت نقطة الإنطلاق فى
تأسیس مدينة كبرى تحمل اسم الملك الفاتح.
تأسیس مدينة كبرى تحمل اسم الملك الفاتح.
لقد تفجرت إمبراطورية الإسكندر لتكوّن الكثیر من الممالك الھیلینیة، من ضمنھا مصر . ومن ھذا المنطق أصبح الحاكم بطلمیوس الأول ملكاً موحى إلیه بالحفاظ على الثقافات الفرعونیة التى تناقلھا على التوالى خلفاؤه البطالمة. ولقد اعتبر ذلك بمثابة احتیاط حصیف وحكیم : حتى لا تُقلب أوضاع المعتقدات الشعبیة، ولكى تستطیع السلطة الإدارية تطوير الإنتاج وتنمیته، وبالتالى مضاعفة الضرائب وزيادتھا. لقد تقبل الملوك البطالمة "البسشنت"، أى التاج الفرعونى المزدوج الخاص بمصر العلیا والسفلى، لكى يتمكنوا من مسك زمام شعب حريص كل الحرص على تقالیده. ومن فوق قمة مصر، استطاع الإسكندر أن يتألق ويشع بضیاءه على مدى ثلاثة عصور كاملة على حوض البحر الأبیض المتوسط، وعلى العالم القائم وقتئذ، وترسخت دعائم السلطة والثراء من خلال مظاھر الأبھة والفخامة التى اتسمت بھا مراسم الملوك، وتماثلت بعض الطقوس المصرية بنظیرتھا الإغريقیة.
لقد تبین أن البطالمة كانوا شغوفین برعاية: الثقافات والعلوم. بل ويتمتعون بثقافة راسخة، ويعملون على رعاية الفنون والآداب . وكمثل "أثینا " ھذا الملتقى الفائق الجاذبیة والأھمیة، غدت العاصمة الكبرى العالمیة الإسكندرية مھد ثقافى زاخر لا مثیل لھا . ولا شك أن ھذه المجالات المفعمة بروح الحرية فى إطار المؤسسات القائمة بالقصور الملكیة، كمثل "الموسیون " (مجمع العلوم والفنون)، و "المكتبة" قد اعتبرت بمثابة الأماكن الممیزة لتبادل الآراء المعارضة، وحرية الفكر التى لم تعرف وقتئذ فى أى مكان آخر.