قائمة الروابط
محافل مميزه
الارشيف
لمتابعة جديد الموقع
من بطلمیوس الثالث إلى بطلمیوس الثامن
من بطلمیوس الثالث إلى بطلمیوس الثامن
عندما توفى بطلمیوس الثانى فى شھر يناير عام 246 ق.م، عن عمر يناھز الثانیة والستین، كان قد إرث العرش البطلمى قد انتقل إلى ابنه الثانى الذى أنجبه من أرسنوى الأولى، إبنة الملك لیزيماك ولكن زواجه من أخته أرسنوى الثانیة لم يثمر أى أبناء، وعندئذ لقب الملك الجديد بلقب "يوارجیتس" أى "المصلح أو الخیر"، وتزوج من إبنة عمه "برنیكى الثانیة"، ووالدھا ھو "ماجاس " ابن "برنیكى الأولى" من زواج سابق. وعلى ما يبدو فإن "بطلمیوس سوتیر"، كان قد أوكل فى الماضى لصھره "ماجاس" بمنصب "حاكم قورينة"، ولكن ھذا الأخیر تمكن من الاستقلال بحكمھا إبان عھد أخیه غیر الشقیق "بطلمیوس الثانى". وبفضل زواجه ھذا، استطاع بطلمیوس الثالث بكل سھولة أن يستعید قورينة ثانیاً إلى كنف البطالمة.
عندما توفى بطلمیوس الثانى فى شھر يناير عام 246 ق.م، عن عمر يناھز الثانیة والستین، كان قد إرث العرش البطلمى قد انتقل إلى ابنه الثانى الذى أنجبه من أرسنوى الأولى، إبنة الملك لیزيماك ولكن زواجه من أخته أرسنوى الثانیة لم يثمر أى أبناء، وعندئذ لقب الملك الجديد بلقب "يوارجیتس" أى "المصلح أو الخیر"، وتزوج من إبنة عمه "برنیكى الثانیة"، ووالدھا ھو "ماجاس " ابن "برنیكى الأولى" من زواج سابق. وعلى ما يبدو فإن "بطلمیوس سوتیر"، كان قد أوكل فى الماضى لصھره "ماجاس" بمنصب "حاكم قورينة"، ولكن ھذا الأخیر تمكن من الاستقلال بحكمھا إبان عھد أخیه غیر الشقیق "بطلمیوس الثانى". وبفضل زواجه ھذا، استطاع بطلمیوس الثالث بكل سھولة أن يستعید قورينة ثانیاً إلى كنف البطالمة.
خلاف كل ذلك، وحیث كان "بطلمیوس الثانى "، قد أثار أزمة دولیة على درجة واضحة الخطورة، فإن الحرب التى خاضتھا مصر ضد سوريا لم يتحقق فیھا نصرھا. وعلى أية حال، فقد انتھت سنة 252 ق.م، بزواج برنیكى إبنة "فیلادلفوس"، ، بالملك السلیوقى أنتیوخوس الثانى، وكان ھذا الأخیر قد طلق زوجته الأولى المدعوة "لوديس" ونفاھا إلى مدينة "إفیس"، وبعد فترة ما، قبیل وفاته، فى صیف عام 246 ق.م، تصالح أنتیوخوس الثانى مع "لوديس "، بل وبؤ ابنھا المدعو سلیوقس الثانى، وريثاً على العرش. وھكذا وجدت المملكة السلوقیین فى حالة حرب أھلیة، اشتعلت ما بین أنصار كل من إبنى الأرملتین، ومن مدينة أنتیوخ حیث كان الملك قبل وفاته قد تركھا، استنجدت "برنیكى" بأخیھا لإنقاذھا. وھكذا، كانت بداية الحرب الثالثة ضد سوريا : ولدينا عنھا قدر وافى من الوثائق والمستندات، بخلاف ما سبقھا من معارك، ويرجع ذلك خاصة إلى بردية تتضمن قرار الحرب الذى بعث به الملك المنتصر إلى البلاط السكندرى: فبالفعل، استطاع الأسطول البحرى البطلمى، أن يصل بدون أية صعوبة إلى میناء سیلیوسى على نھر العاصى. وبذلك، تمكن بطلمیوس الثالث من اقتحام العاصمة أنتیوخ، ظافراً منتصراً، وھناك أخذ يتلقى مظاھر الاستسلام والخضوع من جانب شعبھا وكبار ممثلى أقالیمھا، ولكن، لسوء الحظ، أُغتیلت "برنیكى" ومعھا إبنھا التى كانت قد أنجبته من "أنتیوخوس الثانى". وھكذا، انمحى المبرر الأساسى الذى دفع بطلمیوس للقیام بحملته العسكرية ھذه، ومع ذلك فقد تابع تقدمه نحو الممالك الشرقیة، وعبر "الفرات"، واختراق "بلاد ما بین النھرين": وھكذا فعل ما لم يستطعه أبدًا أى ملك قبله. ولكن سرعان ما جعلته بعض الأنباء الجديدة عن قلاقل واضطرابات بمصر، يندفع مسرعاً فى طريق العودة . وخلفه، وجد سلیوقس الثانى ھذه الفرصة مواتیة، وحقیقة أنه كان قد لحقت به الھزيمة، ولكنه لم يدمر تماماً: وبذا، تمكن من استعادة نفوذه، وأُقر به ملكاً على أنتیوخوس . ومع ذلك، فقد اضطر، أن يتنازل عن أراضى واسعة النطاق لعدوه: فقد تمكن "بطلمیوس" من فرض سطوته على السواحل الغربیة والجنوبیة "لآسیا الصغرى " وحتى مدينة ثراس . وبالإضافة لذلك، بقى میناء "أنتیوخ " المعروف باسم "سیلیوسى على نھر العاصى" ، تحت قبضة الملك البطلمى.
وبعد ھذه المراحل الأولیة، ساد الھدوء والاستقرار حكم "بطلمیوس الثالث ". والجدير بالذكر أنه فى عام 328 ق.م، أعلنت الجمعیة السنوية الكھنوتیة التى كانت تعقد فى "كانوب "، بإحدى ضواحى الإسكندرية، عن تمجیدھا وتعظیمھا للملك والملكة، بالإضافة إلى إبنتھما التى كانت توفیت فى سن الطفولة، وذلك اعترافاً بأفضالھما ونعمھما المتعددة على مصر وآلھتھا. وضمن اقتراحات ھذا المجمع الكھنوتى: إدماج السنة الكبیسة بالتقويم المصرى المدنى، حتى يتطابق تطابقاً تاماً مع السنة الشمسیة. ولاشك أن اقتراح ھذه الفكرة قد تولدت من جانب الفلكیون فى "المتحف " ولكنھا بقیت مجرد "حبر على ورق" فقط لا غیر، لأن التقويم السائد الذى كان قد وضع منذ بدأ نشأة التاريخ الفرعونى، كان يحظى بتوقیر واحترام فائق المدى، ومع ذلك فقد عمل يولیوس قیصر على تطبیعھا، بعد ذلك على مدى قرنین كاملین على المستوى الرومانى فقط، وفى نھاية الأمر أقر بھا فى مصر بأمر من الإمبراطور أغسطس.
كان "بطلمیوس الثالث" يفرض شیئاً من السیطرة والنفوذ على منطقة شرق حوض البحر الأبیض المتوسط، وھكذا، استطاع أن يتدخل، تمويلیاً خاصة، فى النزاعات التى قامت بعید عن حدود ملكه، فى الیونان، أو فى آسیا الصغرى. وبفضل ما كانت تُدره علیه إمبراطوريته من خیرات وثروات ھائلة استطاع أن يبدو فى صورة الأكثر عطاء بین جمیع الملوك، خاصة بعد وقوع زلزال عام 227 ق.م، الذى اجتاح جزيرة "رودس" وأسقط تمثالھا العملاق الشھیر. من أكثر الشخصیات أھمیة ونفوذاً فى ذاك العھد، يمكننا أن نذكر السكندرى "سوسیبیوس " الذى كان يتمتع بذكاء خارق لا مثیل له، ومع ذلك يفتقر تماماً إلى الضمیر والواعز الخلقى. وبداية من عام 240 ق.م، وعلى مدى حوالى خمسة وثلاثین عام، كان تأثیره الشديد على الملك ثم خلیفته يتفاقم ويتزايد بدون توقف. وعندما توفى "بطلمیوس الثالث" عام 221 ق.م، تاركاً وراءه وريثاً للعرش لا يزيد عمره عن سبعة عشرة عاما، قام سوسیبیوس باغتیال جمیع أعضاء العائلة المالكة الذين حاولوا أن يتدخلوا بینه وبین ھذا الأمیر الشاب: عمه، وأخیه الأصغر وحتى الملكة الأم برنیكى الثانیة !! …
وكان ھذا الملك الیافع قد تتلمذ على العالم الجغرافى، المؤرخ والفیلسوف "إراتوستین الكبیر ". ولم يكن يمیل كثیراً لممارسة مھام "الدولة" بل يفضل علیھا سحر وجاذبیة العبادة الديونوسیة، بكل ما تتضمنه من استعراضات، ومشاھدھا الجنونیة الھذيانیة، وخمورھا. وقد سار على نفس نھج جده فیلادلفوس، وتزوج من شقیقته "أرسنوى الثالثة " وأله نفسه وزوجته . وحمل ھذين الملكین ھذا اللقب العقائدى فیلوباتورس ("المحبان لأبیھما"). وفى ذاك الحین، ظھر ملك شاب آخر يتصف بالھمة والطموح، حاول أن يعدل من إمبراطوريته فى آسیا. إنه أنتیوخوس الثالث، الذى كان قد اعتلى العرش عام 223 ق.م، ووضع خطة محددة من أجل التغلب على عدوه البطلمى . وخاض ضده معركة أولى سرعان ما أجھضت عام 221 ق.م. ولكنه، بعد ذلك، بدأ صراعه الفعلى معه فى ربیع 219 ق.م، الذى أثمر عن استحواذه على سلیوس ظافراً منتصر ا . وكانت إحدى الكتائب البطلمیة تحتلھا م نذ عام 246 ق.م. وبعد ذلك، وبواسطة خیانة أحد حكام الأقالیم البطلمیة، تمكن أنتیوخوس الثالث من غزو كافة الأراضى الخاضعة للحكم البطلمى "بسوريا – فلسطین". ومع ذلك، فقد قبل عرضاً من جانب سوسیبیوس لعقد ھدنة. وھكذا توقف القتال مؤقتاً خلال فصل الشتاء. ولكن ھذا الأخیر استغل فرصة ھذه المھادنة الوقتیة من أجل إعادة تنظیم الجیش. وفى واقع الأمر أن الكثیر من الصعوبات المالیة، والأزمة الاقتصادية قد أرغمت ھذا الوزير على الإلتجاء لوسائل وسبل متعددة، كمثل تجنید ما لا يقل عن عشرين ألف مواطن مصرى وتجھیزيھم؛ وقد أعتبر ذلك كأمر خار ق للعادة حتى ذاك الحین، لإحلالھم مكان المرتزقة الإغريق الذين لم يكونوا متوافرون بما فیه الكفاية . وانطلق الجند المصريون لخوض المعركة التى وقعت على مقربة من الحدود المصرية : فى رافیا، بتاريخ 27 يونیة 217 ق.م، حیث عملوا بالفعل على ترجیح الموقف لصالح مصر. وھكذا تمكن "بطلمیوس الرابع" الذى خرج على رأس جیشه من إحراز نصراً مظفراً، لاشك أنه كان أروع الانتصارات التى حققتھا الأسرة البطلمیة جمعاء فى تاريخھا كله. ودُمر الجیش السلیوسیدى ومُنى بأوخم ھزيمة .. واستطاع فیلوباتور، وھو يطارد أنتیوخوس الثالث من موقع إلى آخر، أن يسترجع كافة المدن التى كان ھذا الأخیر قد استولى علیھا فى الماضى.
وھنا، وجد الملك ووزيره أن الأمر لا يستدعى الانطلاق قدماً أكثر من ذلك . بل لعلھما فضلا الرجوع لأجواء الصخب والعربدة فى بلاط قصور الإسكندرية، عن المسیرات العسكرية الشاقة المضنیة اللانھائیة. أما أنتیوخوس، من ناحیته، فقد توقف مؤقتاً عن صراعه ضد مصر، وانتھز ھذه الفرصة لینقض بجیشه على إبن عمه آخیوس وجنده، والذى كان قد إنشق واستأثر لنفسه بجزء من "آسیا الصغرى". ونجح فى فرض سطوته بالأقالیم الشرقیة القاصیة بعد أن استرجعھا من خلال معركة باھرة رائعة، قادته إلى الھند وكأنه الإسكندر قد بعث من جديد.
لم يطرأ أى تحسن يذكر على الأحوال الاقتصادية والمالیة بمصر، بالرغم من الإنتصار الضخم الذى عمل الكھنة على إحیائه والإحتفال به باجتماعھم مرة أخرى فى ھیئة إجتماع "سینودسى " (كھنوتى) فى منف، وانخفضت قیمة النقد بشكل فا ئق. واجتاحت مصر القلاقل والإضطرابات الإجتماعیة، ما بین السكان المصريین الأھلیین والمستوطنین الإغريق فى "مصر العلیا " خاصة؛ بل وتفاقمت خطورتھا واتسع مداھا. وھكذا، فإن حكم فیلوباتور الذى أرھقته، قبل الأوان مظاھر الفسق والفجور والمغالاة والإفراط فى كافة الأمور، سرعان ما إنتھى أمره من خلال بعض المؤامرات الغامضة الدامیة فى إطار البلاط الملكى. وفى نفس الحین تمكنت طیبة قاطبة من الانشقاق بكل قوة وعنف، بقیادة فرعون مصرى المنبت يدعى .Hurgonapher أما عن وريث العرش فى مصر، فلم يكن سوى طفل صغیر غرير فى الخامسة من عمره: أى مجرد لعبة يلھو بھا الوزير سوسیبیوس ومعه مساعده المدعو أجاثوكل، حیث سارع الإثنان بالقضاء على الملكة الأم، أرسنوى الثالثة . وبعد فترة وجیزة، توفى سوسیبیوس أيضاً. وھكذا، أصبح المجال متاحاً تماماً بالنسبة لأجاثوكل : ولكنه لم يكن على نفس دراية ودھاء أستاذه ومعلمه، وسرعان، ما لقى حتفه من خلال مؤامرة دموية رھیبة حاكھا ضده بعض أعداءه. وفى نفس الوقت الذى كانت كل مبادرة من قصر الإسكندرية تصاب بالشلل والفشل بسبب الكثیر من المؤامرات، والبلد تمزقھا الحرب الأھلیة وجد أنتیوخوس الثالث الفرصة مواتیة لكى يأخذ بثأره. فبعد أن وضع خطة لتقسیم الإمبراطورية البطلمیة مع ملك مقدونیا فیلیب الخامس، قام عام 202 ق.م بشن ھجوم على المواقع السورية الفلسطینیة التابعة للبطالمة. وبالرغم من المقاومة العنیفة التى جابھته ولم يكن يتوقعھا أبدًا، فقد تمكن من دحر الجیش البطلمى فى موقعة بانیون عام 200 ق.م. وفى نفس الحین، نجح "فیلیب الخامس" فى الاستیلاء على أراضى البطالمة فى ثراس وأيونیا. وھكذا فإن الإمبراطورية الأسیوية التى كان قد كونھا الملوك البطالمة الثلاثة الأوائل، قد أفلتت من براثن خلفائھم.
وبالرغم من أن الملكیة البطلمیة كانت قد قاربت شفا الھاوية النھائیة، فھا ھى تقوم بإنتفاضة غیر متوقعة. فقد طرأ نوع من الإستقرار والثبات فى الإسكندرية: وبالقطع: سمح ذلك البلاط الملكى بمواجھة مختلف الأخطار مواجھة فعالة . وتمت ثانیاً عملیات ردع عسكرية ضد المتمردين والثوار فى آن واحد بالجنوب وفى الدلتا، حیث مركز المقاومة الرئیسى المعروف بإسم لیكوبولیس (أسیوط): وتحقق فیھا النصر عام 197 ق.م وقتئذ كان الموقف العالمى يمر بمرحلة تطور سريعة وخاطفة: فإن "روما" قد تحولت إلى قوة عظمى منذ إحرازھا النصر على "قرطاجنة". وبالتالى، أخذت تتدخل بشكل عملى وفعال فى شئون الممالك الھیلینیة. وعلى ما يبدو أن البلاد المقدونیة ھى التى تحملت إستتباعات ذلك . كانت قد مُنیت بالھزيمة أمام الكتائب الرومانیة فى موقعة "كینوسیفالس " بداية من عام 197 ق.م. أما عن أنتیوخوس الثالث فقد رفض أى وساطة من جانب "روما" فى موضوع نزاعه مع مصر . ولكنه، بالرغم من ذلك، عرض سلاماً مشرفاً على عدوه الشاب، أبرم من خلاله زواج ھذا الأخیر من كلیوباترا إبنة سلیوسید. وخلال ذلك، عندما بلغ الملك سن الرشد، تم تتويجه فى "منف" وفقاً للطقوس الفرعونیة العريقة. وبتحرره من كافة الأخطار الخارجیة، إستطاع الملك وقادته أن يتفرغوا للقضاء على الأ عداء بالداخل. وتم ذلك بالفعل فى شھر أغسطس 186 ق.م بدحر القوات المتمردة على مقربة من "طیبة". وھنا، طالب بطلمیوس الخامس بھدنة عامة، لھدف إستتباب الإستقرار والھدوء بعد حروب أھلیة استمرت على مدى عشرين عام.
وفى نفس الحین التى كانت المملكة تستفید رويدًا رويدًا من وحدتھا، قام "سكیبیون الأفريقى" عام 189 ق.م بإلحاق ھزيمة منكرة بأنتیوخوس، وھكذا، قضى على كل ىماله لتحويل مملكته إلى قوة مھیمنة جديدة، وتبوأت روما مكانة الحكم الوحید بین دول المشرق. لم يستمر بطلمیوس الخامس أبیفانیس ("الذى يتجلى") طويلاً فى حكمه بالرغم من بدايته المثیرة، وإصلاحاته المتألقة التى كانت تجعله يأمل فى ذلك، فلقى حتفه متأثراً، على ما يعتقد ببعض جرعات من السم، عام 180 ق.م، وقد ناھز الثلاثین من عمره وترك وراءه أرملة تتصف بالھمة والنشاط، وھى أول من لقبت بإسم "كلیوباترا" بالإضافة إلى ثلاثة أطفال صغار، توج أكبرھم سناً ملكاً على العرش، وحمل لقب فیلوماتور ("الذى يحب أمه "). وعندئذ، مارست كلیوباترا نوعاً من الوصاية الحذرة الھادئة، ولكنھا سرعان ما توفیت ھى الأخرى فى أوج شبابھا عام 176 ق.م. وھنا عمل رجال الحاشیة والمقربین من السلطة الحاكمة على تزويج الملك الصغ یر من أخته كلیوباترا الثانیة: ويعتبر ذلك بمثابة زواج المحارم الثالث فى ھذه الأسرة. وخلاف ذلك، فقد إندفع كبار رجال الدولة ھؤلاء فى ممارسة سیاسة تفتقر إلى التعقل والتروى ضد ملك سلیوسید الجديد، "أنتیوخوس الرابع أبیفانیس"، آملین فى استعادة الممتلكات السورية السابقة التى ضاعت عام 200 ق.م. وھكذا، قاموا بمبادرة إعلان الحرب عام 170 ق.م، وھم يفتقرون على ما يبدو إلى أية استراتیجیة محددة وجادة، بل ولم يھتموا بإعداد اللازم من أجل تحقیق النصر فى ھجومھم ھذا. ومما زاد الأمور فوضى وإضطراب أنھم قرروا إشراك شقیق الملك الأصغر فى تولى العرش، وبالقطع، وكما ھو متوقع فى مثل ھذه الأحوال، منوا بھزيمة منكرة : وھنا، تمكن أنتیوخوس من اقتحام الدلتا والتقدم نحو الإسكندرية، وفى نفس ذاك الحین تمت حركة تغییر بین مجموعة الأوصیاء. وحقیقة أن انتیوخوس قد عجز عن الإستیلاء على العاصمة، ولكنه تمكن من إستغلال الخلاف القائم بین فیلوماتور وأخیه الأصغر. وفى أثر معركة أخرى عام 168 ق.م، اعلن انتیوخوس نفسه ملكاً على مصر وھو قائم فى "منف" وعاد ثانیاً إلى حصار الإسكندرية . ولكن، ھا ھو مبعوث "السیناتو " (مجلس الشیوخ )، قد تسلح وقويت شوكته بالنصر الرومانى الجديد الذى أحرزه فى "بیدنا "، وطمس تمام معالم مملكة مقدونیا، قد جاء موجھاً إنذارًا صارماً قاسیاً لأنتیوخوس. ووجد ھذا الأخیر نفسه ملزماً بالإختیار ما بین مصر وبین صداقة الشعب الرومانى: فقرر التخلى عن فريسته ھذه صعبة المنال.
لاشك إذن أن التدخل الرومانى قد أنقذ البطالمة من الإنضمام إلى السلیوسید. ومع ذلك، لم ينقذھم من صراعاتھم الداخلیة، بل ومن إستتباعات الأزمة الخطیرة التى نجمت من الغزو العسكرى. وبداية من عام 168 وحتى عام 164 ق.م، بدا التعايش بین الأخوين شبه مستحیل. وفى ذات الحین اشتعلت الكثیر من حركات الثورة والتمرد تقريباً فى كل مكان : البعض منھا بإيعاز من نفس الأفراد المحیطین بالملكین القائمین على العرش. وھنا، نجد أن أصغرھما الذى كان يحمل لقب "فیسكون " أى ("المكتنز")، قد نجح فى طرد فیلوماتور من الحكم عام 164 ق.م، عندئذ، توجه ھذا الأخیر إلى روما لتقديم شكواه. وعلى ما يبدو أن أخیه "فیسكون" كان قد فقد الكثیر من شعبیته فى الإسكندرية، وھكذا سارع "السیناتو" (مجلس الشیوخ) بوضع خطة لتقسیم الممتلكات البطلمیة بین الملكین الشابین: منح كل من مصر وقبرص لفیلوباتور، أما فیسكون، فكان نصیبه قورينة. وبالقطع، لم يرض ھذا الأخیر عن ھذا التقسیم، فطرق كل السب لكى يضیف قبرص إلى حصته، ولكنه أخفق فى ذلك. ووقتئذ، لم تبالى مصر كثیراً بمثل ھذه المكائد والمؤامرات الجوفاء، وتمكنت شیئاً فشیئاً من إستعادة بعض الإستقرار والثبات، لتعود ثانیاً إلى سابق إزدھارھا وتألقھا . وفى عام 145 ق.م، قام بطلمیوس السادس فیلوماتور الحكیم الرصین، بحملة جديدة على سوريا، متعللاً برغبته فى التحكیم بخلاف قائم بین ملكین من السلیوسید المتنازعین. وحقیقة أنه قد حقق نصراً مؤكدًا لا يقل أبدًا عن ذاك الذى كان قد أحرزه جده بطلمیوس الثالث، ولكنه لقى مصرعه فى حادث ما. ولم يكن له خلیفة قادر على تولى العرش من بعده : وھكذا سارع أخیه الأصغر "فیسكون " من مدينة قورينة إلى الإسكندرية لعقد زواجه على الأرملة كلیوباترا الثانیة، لیستحوذ، بطبیعة الحال على عرش أخیه المتوفى. وحمل ھذا الملك الجديد لقب بطلمیوس السابع، كما يحتم العرف السائد، ولجأ إلى محاكاة بطلمیوس الثالث، فخلع على نفسه لقباً رسمیاً ھو : "يوارجیتس " ولكن سرعان ما قام أعداؤه بتحويله إلى "كاكرجیت" (أى "الشرير"): بسبب ما إرتكبه من جرائم متعددة طوال فترة حكمه الذى إستمر على مدى تسعة وعشرين عام . وأبشع جرائمه ھذه وأقساھا ھى، بدون شك، عملیات الإضطھاد التى مارسھا ضد المثقفین فى نطاق العاصمة بداية من عام 145 ق.م، وأرغم الكثیرين منھم على مغادرة وطنھم ونفیھم بأماكن نائیة. وھكذا، تسبب فى فقدان الإسكندرية لفترة زمنیة مديدة مرتبتھا ومنزلتھا العلیا كعاصمة ثقافیة دولیة فى إطار العالم الھیلینى.
بالرغم من أن أخته / زوجته كانت قد أنجبت له ابناً عام 144 ق.م، إلا أنه قرر حوالى عام 141 ق.م أن يتزوج من إبنة كل من أخیه فیلوماتور وكلیوباترا الثانیة . وبالقطع عمل ھذا القران الغیر متوقع على إثارة الأم ضد إبنتھا، وبالتالى عمل نزاعھما على الإسراع بالدولة فى خطوات سريعة نحو حرب أھلیة إستمرت من عام 132 ق.م وحتى 219 ق.م. وللمرة الثانیة، وجدت مصر نفسھا على حافة الھاوية والخراب: ظلم وجور بكافة الأسالیب ونزوح السكان من قراھم وضواحیھم . وفى ذات الحین، تفاقمت الصراعات ما بین أنصار كلا الجانبین المتنازعین بسبب الانشقاقات العرقیة والعداءات المحلیة. وفى نھاية الأمر، عندما وجد المتصارعون أنفسھم معدومى المصادر المادية، وأُستنفذت ثروات البلد، تمت مصالحة غريبة الشأن بین الملك وزوجته، وتبعتھا ھدنة شاملة أعلنت عام 118 ق.م.
ومثلما حدث فى عام 186 أو 163 ق.م، سرعان ما ساعدت حیوية مصر وقدرتھا الإنتاجیة على محو الآثار التى خلفتھا الاضطرابات . وبالإضافة لذلك، أغدق الملوك وأفاضوا من عطاياھم وھباتھم على المعابد: حتى يصبح وفاء الكھنة وإخلاصھم بمثابة ضمان للسلام الإجتماعى الذى عاد لیرفرف ثانیاً على مصر.
میشیل شوفو
میشیل شوفو
ـــــــــــــــــــــــ
الإسكندرية ملكة الحضارات
تألیف: جان إيف أمبرور
ومجموعة من علماء الآثار
ترجمة: فاطمة عبد الله محمود
مراجعة: محمود ماھر طه
تألیف: جان إيف أمبرور
ومجموعة من علماء الآثار
ترجمة: فاطمة عبد الله محمود
مراجعة: محمود ماھر طه