قائمة الروابط
محافل مميزه
الارشيف
لمتابعة جديد الموقع
تاريخ الثورات في مصر القديمة
تاريخ الثورات في مصر القديمة
مرت مصر على مدى تاريخھا الطويل، بعدد كبیر من الثورات . منھا، حركات تمرد بداخل البلاط الملكى، وانقلابات عسكرية فى إطار الجیش، تمخضت عنھا بعض الأسرات الجديدة. ولكن، لم يكن الشعب المصرى يرى أن مثل ھذا الحدث الأخیر ذا تأثیر أو استتباعات على مصیره، لأن الأمر، لم يكن يعدو أن يكون بالنسبة له سوى عملیة تغییر للملوك الواحد بعد الآخر . ومع ذلك، فقد عرفت مصر ثورة اجتماعیة فعلیة بكل معنى الكلمة: تلك التى أسدلت الستار على "الدولة القديمة".
ففى أواخر عھد الفرعون "بیبى الثانى " المديد، الذى اختتم ملوك الأسرة السادسة، لوحظ أن قوة ونفوذ السلطة الملكیة قد تضاءلت وانكمشت إلى حد ما؛ بل وتمكن حكام مصر العلیا من الاستقلال والتحرر من سطوة الفرعون . وعندئذ، تفجرت ثورة شعبیة فائقة العنف
والضراوة. وكانت موجھة بصفة خاصة نحو طبقة النبلاء والفرعون. وربما نلاحظ ان الوثائق الرسمیة، قد لزمت الصمت التام فیما يتعلق بتلك الأحداث . ومع ذلك، فإن الثقافة والآداب المعاصرة لتلك الثورة أو اللاحقة لھا مباشرة، قد فاضت وأفاضت بأصداءھا المفعمة بالإيماءات والمغزى؛ كمثل : "لقد سادت الفوضى والتبلبل كافة أنحاء مصر .. فلم يعد ھناك مكان للقانون !.. ووجد الفساد والشر مقرا مناسبا فى نطاق "المجالس الرسمیة " (أقوال "عنخو ")؛ أو: "لقد وقعت أمور لم نعھدھا أو نمر بھا من قبل: (..) وأخذ البعض يصنعون رماح وحراب من النحاس للصراع والمقاتلة من أجل لقمة العیش" (حكم نفرروھو). ومن خلال بعض عبارات التحذير والتنبیه التى أطلقھا أحد الحكماء المصرين، يمكننا أن نطالع "صورة بانورامیة " مكتملة تماما عن الثورة : "ھاھى مظاھر الفتنة والتمرد تشوب كافة أنحاء الوطن. ونرى الفلاح، على سبیل المثال وقد تسلح بدرعه .. وتمزقت قوانین "ساحة القضاء والعدالة" وتناثرت فى كل مكان (..)، وأشعلت النیران فى الأبواب والجدران (..)، وتحول الفقراء البائسین إلى أثرياء متخمین. وجرد من كانوا ينعمون بالثراء والفخامة من ثرواتھم وممتلكاتھم (..)، وغدا العبید أسیادا لعبید آخرين (..)، وألقى بأبناء النبلاء إلى قارعة الطرقات (..)، أما أولاد الأمراء، فقد تم سحقھم بالجدران؛ وعن الفرعون، فقد أطاح به الغوغاء من فوق عرشه (..)، وسُلبت ونھبت كل ما كانت تحتويه الأھرام من نفائس ودرر نادرة (..). وھا نحن نرى فئات من الطبقات الدنیا تطیح بالملك من فوق عرشه: لقد تجرأوا وتبجحوا إلى درجة التمرد والعصیان فى وجه "الحیة" حارسة "رع" وحامیته (..)". ولعلنا نجد أيضا أصداء ھذا الانتھاك والتصدى للجلالة الفرعونیة من خلال النص المعنون ب: "حوار مواطن مصرى مع روحه": "عن، من شیدت من أجلھم الأھرام بكل حجراتھا المتعددة (..)، ھؤلاء الذين أصبحوا آلھة (..)، تفتقر موائد قرابینھم إلى أى شئ!
ولا ريب أن ھذا الوقت المشوب بالتعصب ضد الفرعون، قد انعكس أيضا على كل سلالة ملوك "الدولة القديمة". ولذا، كان ذلك : المبرر الواضح، لتدمیر توابیت الأھرام والاستیلاء على مومیاواتھا؛ بل وإلقاء تماثیل ھؤلاء الملوك فى أعمق أعماق الآبار أو تحطیمھا وتفتیتھا إلى ذرات دقیقة متناھیة الصغر.
وربما، أن تلك الثورة، قد افتتحت حقبة الفوضى والاضطرابات المرتبطة "بعصر الانتقال الأول"؛ وأنھا قد استطاعت أن تدمر كافة البنیات الاجتماعیة التى كانت قد قامت خلال "الدولة القديمة". فمن المؤكد أن استتباعاتھا وما نجم عنھا من نتائج فى إطار أخلاقیات ومعنويات الشعب المصرى، تعتبر، بدون جدال غیر مطابقة لما كانت علیه فى الماضى : فلم تعد فكرة الأبدية الشمسیة حكر على الفرعون دون سواه من البشر، أو من يحظون برضاه وكرمه من الأفراد الممیزين: بل أضفیت منذ ذاك الحین على كل مواطن مصرى، مھما تدنت طبقته أو أصله .
وربما نلاحظ أن الانقلاب الذى حدث فى المؤسسات السیاسیة، كان مجرد أمر مرحلى ووقتى . ولكن، لیس ھناك أدنى شك أن اكتساب المفاھیم الجنازية للسمات الشعبیة الديمقراطیة بین كافة أبناء مصر، قد تجلى بكل وضوح، فیما بعد، على مدى تاريخ مصر القديم كله.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الموسوعة الشاملة للحضارة الفرعونیة
تألیف: جى راشیه
ترجمة: فاطمة عبد الله محمود
مراجعة وتقديم: د.محمود ماھر طه